الجمعة

أنفاس حره ..! لم يقف الزمن عندها

 








- هيا من هنا
- هلا خففت من طاقتك قليلا ! فأنت لا تتصرف على حسب عمرك !
- هه ! سأعيش عمري كيفما شئت لن يملي علي أحد كيف أتصرف !
- أحقا ماتقوله ؟!
- دع عنك هذا ! بسرعه لنقطع هذا الطريق !
- لا ! رواد تمهل لا أنتبه رواد لا تذهب من هنا ! لاااااا رواااد

عبّر ولم يعد ..

لو أردنا
    لو كان بيدنا
            لما أفترقنا
                    لبقينا على وعدنا لسنين ، لهجرنا اليأس ، لغيرنا المصير ، فقط لو كان هذا بيدنا ..

حقيقه ما أقوله ! أحس بآلامه تماماّ كما لو كنت أنا المصاب ، لأننا نتشارك الدم نفسه ، لأننا روح واحده متطابقة في الشكل والصفات ، لأننا تؤام .. نتشارك الأحساس نفسه ..!



- رواد ، أنتبه .. لا تعبر !
- لا أطيق الصبر ! أنا متحمس جداً !!
- هلا خففت من طاقتك قليلاً ! فأنت لا تتصرف على حسب عمرك !
- هه ! سأعيش عمري كيفما شئت لن يملي علي أحد كيف أتصرف !
- أحقاً ماتقوله ؟!
- دع عنك هذا ! لا تلمني على حماسي ! أشتقت لأمي كثيراً وأتلهف شوقاً لرؤيتها !! كما تعلم شهران مده كافيه للشعور بالفقد العميق !
- الا تستطيع الأنتظار حتى يتحول الضوء إلى الأحمر حتى نعبر ؟!
- أنظر إلى تلك الفتاة الصغيره !
- أنها تعبر الطريق لوحدها  !!
- سأذهب لألتقطها قبل أن يحدث لها شيء ..!
- لا ..! رواد تمهل ! لا .. أنتبه رواد لا تذهب من هنا ! لاااااا رواااد
مرت خمس سنين عشتها بدونه ! تماماّ خمس سنين والأطباء أكدوا أن لا شفاء لحالته ! والأمل مفقود !
 لامني الكثير على قراري بعدم نزع أجهزة التنفس عنه ، ألحّ الأطباء علي كثيراً بأن أطلق سراح روحه لكن محال كنت أصر أنه سيرجع من جديد ، بدأت أُهلك تفكيري مؤخراً .. لا أدري هل الأمل الضرير الذي أتعلق به زائف ، باهت ؟ أم مجرد أنانيه مني أن أبقيه معلقاً بين الحياة والموت ..؟!
فكرة موته التي تعني رحيله الأبدي لم أتقبلها بعد وها أنا أجلس بجانبه بترقب كالعاده لعله يفتح عيناه وينطق بصوته الذي أفتقدته منذ سنين ، ربما هو يود الرحيل لذا هو لم يستيقظ بعد ؟! لا أدري ماذا أفعل ! أصبحت مشتت ..!
أن يكون قرار حياة أو موت شخص عزيز بين يدينك وبكلمه منك تستطيع أن ترسله للعالم الثاني أو أن تبقيه في هذا العالم مؤلم ومحزن في الوقت ذاته ، في أعماق رغباتي وددت أن يتوفر خيار العودة ..
مزعج شعوري الآن أختنق بعباراتي الحزينه وكأنني أتجرع سماً يعذبني ببطء ..
- سيد وليف حان وقت إتخاذ القرار !

تجاهلت الصوت ! أنه الطبيب المشرف على حالته يريد مني أن أتخذ القرار الآن ، هه ! كل مايقوله الأطباء مجرد هراء فارغ ! لطالما آمنت بأن الحياه والموت بيد الله سبحانه تعالى بجبروته ولو أراد الله أن ينهي حياته لأنهاها منذ زمن ! لذا هناك فرصه بأن سيجد طريقه ويرجع إلى وعيه ..
- سيد وليف افهم أرجوك أنت شاب عاقل افهم إنه متوفى دماغيا ! الأجهزة هي التي تبقيه حيا !  روحه تتعذب بمصيرها المعلق !

أو .. ربما ! الخمس سنين كانت كافيه وكفيله بنضب أملي الناضح ..!
تجاهلت ذلك الصوت اللحوح ، نظرت إليه بحزن وهو يرقد على ذاك السرير الأبيض دون حراك ، أصبح نحيلاً وبشرته شاحبة ! شعره الكثيف الحالك السواد أصبح طويلا قليلاً وغير مرتب ، عمره الآن ٢٣ عاماً مازال صغير لم يعش جنون عمره بعد !
- أيرضيك حاله ؟! هل أنت راض عن حياته هكذا ؟! مستلقي على السرير بلا حراك
وقد هجمت عليه جروح السرير ونهشت جسده ؟
- صه ! سيستيقظ في أي لحظه !
- وليف .. ! نحن نكرر هذا السيناريو منذ ثلاث سنين مضت ! عنادك هذا يزيد فقط من عذاب أخيك !

ليس هو فقط من يتعذب ..!
هو لم يرى أمي بعد حماسه بلهفة شوقه ، لقد فقدت أمي بعد حادثه بأسبوع كانت مريضة طريحة الفراش وتلك الفتاة الصغيره هي الأخرى لم تنجو من الحادث ..
رحلت هي ، علق هو وبقيت أنا ، حياتي أصبحت مأساة سرت على كل لسان ! لربما لاحقاً سنصبح أسطوره تتوارثها الأجيال ! يحكى عنا كضرب مثل للأمل المفقود والصبر المرير ..
نهضت من مكاني الذي أهترئ بسبب كثرة جلوسي عليه ، اقتربت من أذنه وهمست بيأس أطبق على صوتي: رواد أرجوك أظهر أي علامه إشاره بأنك ستستيقظ ! لطالما انتظرت عودتك ومازلت على انتظاري رغم المده الطويله !

رفعت رأسي ونظرت إليه منتظر الإشارة بيأس ، ملامح وجهه النحيل هادئه صامته بدت لي أن روحه لاتسكن جسده منذ زمن ..
بعد كل هذا أعتقد أن الوقت قد حان لرحيله ، خمس سنين أعيش على أمل عودتك ! عشتها بمراره لم أذق فيها طعم السعادة ..!
لكن أظن أنني قد وصلت إلى نهاية أملي وأظن أنه لن يعود ..
لقد حزمت أمري ..! سأنهي هذه المأساة ..
أقتربت من أذنه وهمست له بحزن يسري في عروقي وسبب رعشة في صوتي: حسنا رواد ! سأطلق سراحك الآن !!

في الأخير أريده حرا يبقى مثل الطير ..
ألتفت إلى الطبيب بابتسامه باهته تعلو شفتاي: رواد حر الآن !
ابتسم براحه و رضى تامة وكأنه توقع أنني سأصمد الدهر كله في انتظار عودته: ونعم القرار وليف ! وأخيرا سيرتاح !!

أستدعى الطاقم الطبي وخيل لي أنه أستدعى ملك الموت ،جلست بجانبه بهدوء أتظاهر بالعقلانية بينما جنون الألم ينهش ما تبقى من وجداني ، يتآكل ببطء وألم بلحظه تتلو اللحظه ..
حضر الطاقم الطبي وأعطوني ورقه أوقع  بموافقتي على إزالة الأجهزة عنه ، ألتفت أنظر إلى وجهه الشاحب وكأنني انتظر موافقته هو الآخر !
- أنه ميت مسبقا ! الأجهزة فقط تبقيه حيا !!

ألتفت إلى ذلك الطبيب اللحوح ! كم ألح هو وفريقه علي !! إلى هذه الدرجه يودون التخلص منا ؟!
تجاهلته بصمتي المعتاد ، لقد سئمت منه ! أخوض وأجادل معه نفتح ونغلق هذا الموضوع مراراً وتكراراً !
بقيت أنظر إلى تلك الورقة ، توقيع يفصل بين حياته وموته ! ترددت .. لم أعد أستطيع أن أفكر وأفهم منطق ما أفعله ..
أشار الطبيب إلى مكان التوقيع وهو يحثني: هنا .. وقع هنا ! تذكر وليف بأنك ستسدي خدمة لمأساته !

 أسدي خدمه ؟! هل أصبح إنهاء حياة شخص عزيز قلبه مازال ينبض خدمة ؟ عالم فظ بارد ، يعاملني وكأنني لا آبه لذاك الشخص المستلقي على الفراش ..!
وضعت القلم على الورقة ، ألتفت إليه أعطيه فرصه ليعود ، فرصه أخيره ! أحتاج إلى ردة فعل بسيطة منك رواد ! حركة فقط ، صوت !! أي شي يدل على عودتك قبل أن أتخذ قرار أنهاء حياتك !!
لا أمل يذكر ، رواد سأنهي معاناتك الآن وسأصبح من بعدك نفس حره لم يقف الزمن عندها تماما مثل أنفاسك الحره ، خطيت توقيعي ببطء وتردد بألم يعتصر قلبي ..
خالجني ذاك الشعور الذي يقبض الأنفاس ويزهق الأمل ، زاحمتني العبرات وضيق أجج في أعماقي حزن سقيم أبدي سيقيم بخلود لأجل فراقه  ..
أخذوا الورقة مني فرحين بإنتصارهم يا للفرحة وأخيرا سرير فارغ لمريض آخر !!
- سننزع الأجهزه عنه الآن ! سيتنفس لبضع دقائق ويموت بعدها ! يستحسن أن تبقى في الخارج !
نطقت بضعف أنهكني به الحزن:
لا ! . . سأبقى معه حتى آخر أنفاسه !

ألتموا حوله كأسود تلتم حول فريستها ، أزالوا الأجهزة عنه تدريجياً ، تدريجياً حتى ظننت أن روحي ستفارق جسدي ، تدريجياً حتى أحسست بأنفاسه الحره تأخذ مجراها دون أجهزه ..!
أسمع صوت نفسه يخترق الهدوء بصعوبة .. رواد سيموت الآن !
بقيت أنفاسه تناضل بجهد ..
خللت أصابعي في شعره الكثيف ، وضعت رأسي على جبينه وهمست بأنفاس متقطعة: استسلم .. وأرحل ! رواد .. أنت حر الآن !

انهمرت دموعي على وجنتيه بحراره اعتصرها شعوري بالوحده من بعده وكأنني أريده أن يشاركني حزني: آسف لأنني أبقيتك معلقا آسف أجبرتك بالبقاء ..! أذهب راضي برحيلك

رفعت رأسي وقبلته على جبينه ، قبلتي الأخيرة في حياته ، بداء تنفسه يضيق ويقل ببطء حتى سمعته يلفظ نفسه الأخير بصوت مخنوق يبين أن روحه غادرت للتو من جسده ، أستسلم وتوقف صدره عن الحركة ، لم يقوى على البقاء ..!
حضنته وأجهشت في البكاء ، أطلقت نفس اليأس الذي خنقني وبكاء مزق عقلانيتي وأعلن جنون ألمي  ..
وددت أن الزمن يقف عندي ويأخذني معه ..!
- سجل وقت الوفاة الساعة الرابعة والنصف مساء

سجلوا أنني أصبحت جسد تائه بلا روح ..
أكاد أقسم أنني رأيت ابتسامه أرتسمت على شفتيه قبل رحيله !
لقد ُتركت في الخلف وحيداً بدونهم ، باقي هاهنا أعد الأيام والساعات أنتظر ساعة رحيلي للقائهم ~
رواد من بعد رحيلك أستطيع أن أحس بوجود روحك حولي  ..
أؤومن في أعماق نفسي أن الأرواح تشتاق إلى أشخاص في الدنيا فتزورهم في أحلامهم تحادثهم عن مدى أشتياقهم لسرقة لحظات معهم .
أحيانا عندما نتعلق بأشخاص نحبهم نغمرهم بأنانيتنا وننسى أن لهم رغباتهم وتصرفاتهم الحره ، نبقيهم حبيسين أرادتنا لأننا أنانيين ! حتى لو ذلك على حساب عذابهم وأذيتهم ، ننسى لأننا نحبهم بأنانيه ..
نملكهم وكأنهم خلقوا لنا ، نشعر بنشوة السعادة فقط عندما يبتسمون وتضيق بنا الدنيا لحزنهم لكن نظل أنانيين لا نستسلم لفراقهم ..
كل هذا لأننا نحب بأنانيه ..!


 

ليست هناك تعليقات: